الحراك الجزائري مؤطر بمؤسسات قوية وسينجب نخبة سياسية لقيادته

يقدم البروفيسور محمد طايبي في حواره مع “DMA عربي” قراءة سوسيو-سياسة للحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ 22 فيفري الماضي، مقدما رأيه فيما يخص الحلول التي تقدمها السلطة، وكذا رؤيته الخاصة لمستقبل الحراك والحل الأنسب للخروج من الأزمة.

ماهي قراءتك للحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر منذ 22 فيفري المنصرم ؟

هذا هو سؤال الساعة كما يقال، لكن القراءات تتم من زوايا متعددة تنطلق من مصادرة ما يسمي بالحراك أو الطعن به وعلى هذا الأساس قراءتي ليست إيديولوجية بمعني التحزبية وإنما هي قراءة سوسيوسياسية وإجتماعية وهذا هو في تصوري هو منهج الفهم وبعدها يمكن للإنسان أن يأخذ موقف كما يريد.

من يحث القراءة السوسيولوجية للحراك هذا نسميه في اللغة الاجتماعية بديناميكية مجتمع يريد أن يغير وضعا حمل وزره وواكبه بألم وتحمل وصبر. فالأمر يتعلق بحركة مجتمعية فجرتها الانتخابات الرئاسية والصراع حولها عموما.
وفي ظني هذا صراع ترشح الرئيس بوتفليقة ومن رشح الرئيس بوتفليقة، فنحن نتحدث عن القوى السياسية التي رشحته وتجاهلوا تماما المجتمع وبقوا يسيرون على منهج قرار الغلبة والتحكم بالقوة، فرغبة المجتمع ككتلة خرج وهم لم يكونو يتوقعون ذلك.

والحراك الاجتماعي أساسا إذا لم يتحكم فيه المتخصصون في الاستراتيجيات وفي الأزمات يصبح كرة من النار تكبر لأنها لا تتلقى لا الأفكار ولا المنهج الذي يحتويها فتكبر وهذا هو واقع الحال.

فنحن إذا أمام واقع موضوعي أفرزته الاختلالات الكبرى في الحكامة الوطنية فحراك المجتمع الآن يفهم كحراك طبيعي وليس كحراك غير طبيعي.

هناك من يستعمل فزاعة الإنزلاق لتثبيط المتظاهرين، هل يمكن لحراك الجزائر أن ينتهي  بما انتهت به ثورات شهدتها الدول العربية ؟

من ناحية قوانين الحكم وتحولات المجتمع تتقارب عوامل الأزمة في المجتمعات، أما مقاربة المخارج والفاعليين في هذه الأزمات فتختلف من حالة إلى حالة، لأن كل مجتمع توجهه قوى ويعيش حالة من القوة ووهن، وبالتالي فمقاربات تظهر متقاربة شكلا من حيث أن النظم السياسية العربية وخاصة التي تشبثت بمفهوم الوطنيات التقليدية كلها فشلت بسبب المقاربة العصبية للنظام السياسي.

ما يجري في الجزائر هو حراك نقدي سياسي مشروع، فشلت الطبقة السياسية في استباقه أولا كأزمة وهي تعتمد على مقاربات الاحتواء عملها الأول كسب الوقت وثانيها جلب ما يمكن جلبه من فاعلي الحراك وثالثها ضخ مجموعة من الاجراءات المطلبية التي يمكنها من الاحتكاكات.

إذن فالحراك الجزائري سليم ومؤطر ليس بؤلائك الذين يريدون الاستلاء عليه من بعض النخب المتعددة المآرب، إنما هو مؤطر من قبل مؤسسات قوية ولازالت قوية جدا جدا، بالمؤسسات الأمنية والجيش ومؤسسات الدولة الأخرى كالقضاء ولا أتكلم عن الوزراء بل عن الفاعلين في المؤسسات.

الحراك الجزائري ترسخت مرجعيته السلمية وهذا ما يؤمن مخارجه أعتقد ذلك.

إذا تكلمت عن الأطر الاجتماعية أي تلك القوى التي لها حضور مقنع عند الناس والناس يخضعون لها في إطار المرجعية والوطنية فنحن لا نجد مثلا شعارات مناهضة للفيس مثلا وهذا ما يعطيه بعدا مجتمعيا ويحميه وتتكم في توجهاته وقد تحميه من مناولات الاختراق وهي قائمة بقوة وقد تصل به إلى بر الامان عن طريق تلبية المطالب في التغيير السياسي وفي إعادة بناء النظام الوطني الفعال الذي سير البلد منذ نصف قرن.

ما رايك في الحلول التي طرحتها السلطة للخروج من الأزمة ؟

الأزمة تملي مخارجها سواء على المتحركين في الحراك أو مسؤولين على التعاطي مع الحراك، الآن هناك جملة من الأفكار وأنا لاحظت ان الجزائريين جد ليسو قليلي الأفكار.

ولاحظت مد من الأفكار والاقتراحات كلها في النهاية عندما تقرئينها تجدين أنها تدور حول المفاهيم التالية:
-ولعمك كنت سنة 2017 أول من تنبئ أن الفساد سوف يفجر البلد في القنوات التلفزيونية العامة والخاصة-
والخفي الذي لا يذكر الآن أن قوى الفساد وتسللها إلى مواقع القرار كتعيين الوزراء مثلا ما إنجر على هذا الأمر من رعونة السلوك العام خلق غل لدى المجتمع وغبن لدى الشباب ففكرة محاربة الفساد بالمؤسسات هي في جوهر التغيير.

ثاني أمر أن في عمق الجزائريين شوق إلى عدالة فعالة ومقنعة.

إذا فالمخارج لا تكون فقط على مستوى إرضاء مطلب عدول الرئيس عن الترشح بل هي إصلاح اجتماعي وسياسي وهذه ستفرض نفسها حتى و إن أراد المتحايلين أن يتحايلوا.

والسياسي الواقعي وهذا يدور في الفضاء الأزرق وحتى في الفضاء العام الوجوه المحترقة يجب أن تغادر وإن كانت لها ملفات من حقها أن تكون أمام القضاء العادل بدون تصفية الحسابات ولا محاكم تفتيش يجب أن تكون العدالة عادلة.

هذه هي الرهانات والمخارج والأفكار المطروحة الآن وهي عكس الحالات التي شاهدناها في العالم العربي.

وهي الحالات الباحثة عن التغيير الحضاري، لأن الحضارة تحكمها دولة حضارة وليست دولة عصب ولا دولة ملفات ولا دولة نهب الحريات.

ماهي الحلول التي تقدمونها  في ظل رفض الحراك لمقترحات السلطة وحتى الطبقة السياسية ؟

أولا يجب أن نعطي للحراك الشعبي الصورة الملائكية، الرأي الآن “فيه وفيه” والذين يمارسون السياسة يتعرضون دوما إلى التشويه وكثير من الظلم، إنما الفاعلين السياسيين لم تكن لهم الجرأة سواء كانوا في المعارضة أو في الموالاة كانوا يفاوضون بصفة ويناورون بصفة وأكلهم تيار المال الوسخ حتى نكون صرحاء، دون أن أعمم هناك الكثير من الناس الشرفاء في البلد.

احتراق الوجوه السياسية قد يكون صحيحا إنما السياسة لها مآلاتها ولها أضرارها على الناس وخاصة على الذين يتركون حبل الهوى لطموحهم السياسي ويتحولون للمناورة من أجل التموقع، هؤلاء تقريبا احترقوا الآن.

بالتالي سؤالك يقودني إلى أمر مهم وهو أن هذا الظرف سيولد بالضرورة نجبة سياسية وإعلامية جديدة وهكذا المجتمع يلتقي إلى تطهير الذات مما أصيب الجسد الاجتماعي من تورمات في الفكر والاخلاق وغير ذلك إنما أهم ما يفرح في البلد هي خصوبة الأفكار وقوة الإرادة لدي المجتمع لتغيير وهذا هو الأهم والبقية ستتبلور شيئا فشيئا، ووفق توازنات وحلول الغاية منها الحفاظ على الدولة والنظام المجتمعي.

Input your search keywords and press Enter.