بن صالح رجل الإصلاحات و المشاورات “المزيفة”…إلى أين؟

يبدو أن السلطة لا تريد استخلاص العبرة من الحراك الشعبي السلمي الذي أعلن القطيعة مع النظام القديم و ممارساته و من يمثله فلجأت لاستعمال نفس الآليات بنفس الأشخاص معتقدة أن ذاكرة الشعب الجزائري خارج مجال التغطية.

وهاهو رئيس الدولة عبد القادر بن صالح يبدأ مشاوراته المزعومة في تحد صارخ للإرادة الشعبية التي تطالب بتنحيته و التخلص من ممارسات و أشخاص الماضي اللذين فشلوا في كل مساعيهم لبناء دولة ديمقراطية و قوية، بل تمادو في تمديد عمر النظام دون الاكتراث إلى طبيعته التسلطية غير القابلة للإصلاح.

بن صالح لم يصلح في 2011

من لا يتذكر مشاورات 2011 التي أمر بها بوتفليقة و كلف بها بن صالح من أجل -حسب الخطاب الرسمي- تعميق الإصلاحات الديمقراطية في ظرف كان يتسم بما عرف بالثورات العربية و ما أسقطته من انظمة تسلطية و ديكتاتورية رغم النتائج الكارثية على الكثير من البلدان العربية التي عرفت حروبا و تحولات ديكتاتورية فيما بعد. و التقى بن صالح العديد من الاحزاب السياسية أنذاك و الشخصيات و الجمعيات من أجل صياغة قوانين جديدة تضمن المزيد من الحريات و الحقوق في الظاهر لكن النتيجة كانت منافية للخطاب الرسمي.

تراجع حتى في النصوص القانونية

إذا كانت النصوص السارية المفعول في 2011 خاصة المتعلقة منها بالحقوق و الحريات عمرها أكثرمن 20 سنة إلا أن بعضها كان يرقى إلى النصوص التي تضمن بعض الحريات رغم تطبيقاتها المحدودة في الواقع و الحواجز التي كانت تفرضها الإدارة، فإن القوانين التي انتجتها مشاورات بن صالح  في 2011 سجلت بصريح العبارة تراجعا على المكتسبات التي حققها الجزائريون بعد أحداث اكتوبر 1988 قبل إلغاء المسار الانتخابي في 1992.

و من بين القوانين التي أفرزتها مشاورات بن صالح قانون الجمعيات الذي صادق عليه البرلمان الفاقد للشرعية في 2012 و الذي أصبح الاعتماد من طرف وزارة الداخلية واجب لإنشاء أي جمعية بعدما كان يقتصر على الإشعار فقط حيث أصبح من خلال النصوص الجديدة غلق جمعية أكثر سهولة من إنشائها.

وأنتجت مشاورات بن صالح عدة قوانين كان ينتظر أن تساهم في فتح المجال السياسي و الجمعيوي و الإعلامي إلا أنها عبارة في العديد من تعديلاتها عن تقنين لممارسات التضييق على الحريات التي لم تكن في نصوص القوانين التي سبقتها.

وشهدت “إصلاحات النصوص” بعد رفع حالة الطواريء التي دامت 19 سنة من 1992 إلى غاية 2011 إدخال الإجراءات الخاصة بتلك الحالة الاستثنائية في القوانين العادية ما دفع الحقوقيين و السياسيين إلى الجزم بأن رفع حالة الطواريء كان شكليا فقط و لم يتم ذلك في إطار رفع القيود على الحريات.

وإذا كانت مشاورات بن صالح في 2011 حصيلتها مزيدا من القيود و التضييق على الحريات فكيف يمكنه اليوم إقناع الشارع و الطبقة السياسية و المجتمع المدني التي تنادي باستقالته بجدية الإصلاحات في هذا الظرف الذي يتميز برفض شعبي منقطع النظير للمنظومة الحاكمة برمتها و الذي هو جزء منها؟

القراءة الصحيحة للحظة التاريخية الحالية تفرض على كل من هم في السلطة أن ينظروا إلى المصلحة العليا للوطن و ما يقدمه الشعب الجزائري من ملحمة منقطعة النظير و ذلك بالتخلي عن الحسابات الضيقة لمختلف العصب التي تكون المنظومة و تتصارع فيما بينها متجاهلة مطالب ملايين المتظاهرين التي تخرج للشارع.

إن الإستجابة لمطالب الشعب من خلال صياغة مشروع انتقال ديمقراطي توافقي بوجوه جديدة مقبولة شعبيا أصبح ضرورة ملحة و ذلك في أقرب وقت لنجنب الجزائر بلدا و شعبا المزيد من الإحتقان و الوصول إلى طريق مسدود ولكن لن يكون ذلك بنفس الأساليب القديمة التي أنتجت الفشل السياسي و الإنحطاط الأخلاقي و تفشي الفساد أنهك ساعد الدولة التي من المفروض أن يبني مؤسساتها حكام مقبولين شعبيا و بتفوبض ديمقراطي من المحكوم.

Input your search keywords and press Enter.