مساهمة | كثرت المبادرات وغابت الحلول

الحوار وسيلة لحل الأزمات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف. فلا حوار من أجل الحوار، ولا حوار بدون إجراءات التهدئة، ولا حوار بدون ضمانات مسبقة.

هل الحوار الذي تدعو إليه السلطة يرمي إلى تلبية المطالب الشعبية الواضحة والمعبر عنها منذ 22 فيفري الماضي، أم أنه يرمي فقط إلى تحضير الانتخابات الرئاسية قصد الاستمرارية؟

إن تحليل بعض التصريحات يدعو إلى القلق

اقترحت السلطة على لسان رئيس الدولة فتح حوار بدون حضور السلطة. واستجاب المنتدى المدني للتغيير بواسطة نشر قائمة تتضمن 13 شخصية. وفورا نشرت رئاسة الجمهورية بيانا جاء فيه أن رئيس الدولة ” اعتبرها خطوة إيجابية في سبيل تجسيد المسعى الذي اقترحته الدولة”. ومن جملة الشخصيات المقترحة جميلة بوحيرد التي نشرت تكذيبا أعلنت فيه بأنها غير معنية بالمبادرة. ثم نشر المنتدى توضيحا جاء فيه : “تم التواصل مع العديد من هذه الشخصيات والحصول على الموافقة وقبول الانخراط في المسعى، أما بالنسبة للسيدة المجاهدة جميلة بوحيرد، والسيدين أحمد طالب الابراهيمي ومولود حمروش فالمنتدى المدني للتغيير هو الذي اقترحهم مباشرة في القائمة…”. ويتضح من هذا التوضيح أنه باستثناء جميلة بوحيرد وطالب أحمد الإبراهيمي ومولود حمروش، قد تم الاتصال بباقي الأشخاص ووافقوا على المبادرة بدون شرط. وجاءت الشروط بعد الانتقادات الموجهة للمبادرة. وهذا ما حدث أيضا لمبادرة قوى التغيير التي اجتمعت يوم 6 جويليبة الحالي والتي اكتشفت شروط الحوار بعد رفض المبادرة من طرف الشعب. وهنا نتساءل من استجاب لمن ؟ ومن أعد القائمة ؟ ومن يروّض من؟ ومن هم أصحاب المبادرة؟ ألم تصبح المسألة واضحة؟ ألا يوجد من يخدم ورقة الطريق للسلطة ؟ فالمبادرة الوحيدة التي لم تساير ورقة طريق السلطة هي قوى البديل الديمقراطي في بيان 26 جوان. والغريب أن هناك أشخاص حضروا اجتماع معظم المبادرات ووافقوا على نتائجها رغم تناقضها في الوسيلة والهدف. وأين موقف المبادرين من المسؤولين الذين رفضهم الشعب؟

من يمثل أصحاب المبادرات؟

من حق كل شخص أو مجموعة من الأشخاص أن تقترح ما تشاء وأن تتخذ المبادرة التي تراها جديرة بالمساهمة في حل أزمة النظام. ولكن المبادرات لا تلزم إلا أصحابها. ومن ثم، فإن المجموعة المقترحة للحوار كطرف أو كوسيط لا تمثل، ولا يمكن أن تمثل إلا من اقترحها. ومهما كان، فلا يمكنها تمثيل الثورة الشعبية. ولا أحد يمثل هذه الثورة.

الثورة الشعبية حكم arbitre وليست طرف

أرى أن الحراك قدم مطالب واضحة لا يقبل التنازل عنها. مما يجله حكما وليس طرفا. وأنه لا يمكن لأحد أن يدّعي تمثيل الحراك لكون ذلك سيؤدي حتما إلى الخروج عن المطالب الشعبية، كما حدث خلال الربيع الأسود. للسلطة من يمثلها ولو كان لا ينتمي إليها رسميا، وللأحزاب والمجتمع المدني أن تفتح حوارا مع ممثلي السلطة باسم مناضليها وليس باسم الحراك. أما الثورة فهي حكم بين كل الأطراف، وأنها توافق أو ترفض ما يتم الاتفاق حوله. وقبل أي حوار وبغضّ النظر عن الأطراف والأشخاص، لا بد أن تتخذ السلطة تدابير التهدئة ولا بد من ضمانات لاحترام الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة والتي لا يمكن الخروج عنها مهما كان من سيحكم في المستقبل.

إجراءات التهدئة

لا يمكن لأي حوار أن ينجح قبل أن تتخذ السلطة إجراءات واضحة وملموسة تتمثل خاصة في:

– الإفراج عن جميع معتقلي الرأي بدون قيد أو شرط،
– وقف التضييق على الحريات العامة الفردية والجماعية ووضع حد للاعتداء على حقوق الإنسان المنصوص عنها في الميثاق الدولي الذي صادقت عليه الجزائر وصار جزءا من قانونها الوضعي،
– منع استعمال القوة من طرف أجهزة الأمن ضد المتظاهرين المسالمين واتخاذ إجراءات تأديبية وجزائية ضد الأعوان وضباطهم الذين يستعملون العنف بدون مبرر قانوني،
– فك الحصار أيام الثلاثاء والجمعة على مدينة الجزائر واحترام حرية التنقل،
– فتح وسائل الإعلام العمومية للنقاش الوجاهي الحر،
– اتخاذ تدابير واضحة وصارمة لجعل القنوات التلفزيونية الخاصة في خدمة الإعلام وعدم التمييز في توزيع الوقت بين مؤيدي السلطة ومعارضيها.

الضمانات

مهما كان الإنسان فإنه ميال بطبعه إلى السيطرة والتعسف والحكم الفردي. وهذا ما جعل الشعوب تبحث عن ضمانات قوية للدفاع عن حرياتها وحقوقها مهما كان الشخص الذي يصل إلى السلطة عن طريق الانتخابات ولو كانت نزيهة. فلماذا لا نتفق، رغم اختلاف الانتماءات السياسية والإيديولوجية، على ميثاق أو بيان يمثل الحد الأدنى للحقوق والحريات التي لا يمكن تضييقها مهما كانت الأغلبية الرئاسية أو البرلمانية، وذلك قبل الشروع في أي حوار حول الانتخابات؟

حتى نتفادى أزمات أخرى

لا يهمني أن تنظم الانتخابات بعد ستة أشهر أو سنة. ولكن ما يقلقني بالدرجة الأولى هو الخروج من سلطة عصابة للدخول في سلطة عصابة أخرى. وهذا ما قد يحدث إذا كان الهدف من أي حوار هو مجرد الاتفاق حول الانتخابات الرئاسية بدون ضمانات مسبقة لاحترام الحقوق والحريات.

لقد عدّل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الدستور ليبقى في الحكم مدى الحياة ووجد في الموالاة – وغيرها – سندا له عن طريق تعميم الفساد. وقد عدّل الدستور عن طريق البرلمان الذي اتفق الجميع على أنه جاء نتيجة التزوير والمال الفاسد. فمن يضمن أن الرئيس القادم لن يفعل ما فعله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟

إن الميثاق أو البيان الذي أناضل من أجله سيمنح للشعب حق العودة إلى الشارع بالسلمية في حالة انتهاك الحقوق والحريات للمطالبة بتنحية رئيس الجمهورية أو إقالة الحكومة أو حل البرلمان. بهذا فقط سيكون للحوار معنى. والباقي ما هو إلا محاولات من السلطة والمستفيدين منها لإنقاذ نظام العصابة.
وقصد تحقيق جميع المطالب الشعبية، فالثورة السلمية مستمرة.

مقران آيت العربي
الجمعة 19 جويلية 2019

*المقال منقول من صفحة الحقوقي مقرآن آيت العربي على “فيسبوك”، ولا يعبر بالضرورة على رأي الموقع.

Input your search keywords and press Enter.